At-Tafsir al-Ma'thur · Tafsir · in Arabic
Al-Fath 48:2–8
48:2Page 511
لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢
That Allāh may forgive for you what preceded of your sin [i.e., errors] and what will follow and complete His favor upon you and guide you to a straight path
﴿لِّیَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ - نزول الآية، والنسخ فيها
٧١٠٨٨- عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء-: إنّ اليهود شَتموا النبي ﷺ والمسلمين لَمّا نزل قوله: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]. وقالوا: كيف نتَّبع رجلًا لا يدري ما يُفعل به؟! فاشتدّ ذلك على النبي ﷺ؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾[[أورده الواحدي في أسباب النزول ص٣٨٢-٣٨٣.]]. (ز)
٧١٠٨٩- قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: وفي «حم الأحقاف» [٩] قوله تعالى: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾، نَسَختْها هذه الآية، قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ ... إلى قوله: ﴿ويهديك صراطا مستقيما﴾. فعلم سبحانه ما يفعل به مِن الكرامة، فقال رجل مِن الأنصار: قد حدّثك ربُّك ما يفعل بك مِن الكرامة، فهنيئًا لك، يا رسول الله، فما يفعل بنا نحن؟ فقال سبحانه: ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا﴾ [الأحزاب:٤٧]. وقال تعالى: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [الفتح:٥]. فبيّن تعالى في هذه الآية كيف يفعل به وبهم[[الناسخ والمنسوخ للزهري ص٣٣.]]. (ز)
٧١٠٩٠- قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا﴾، وذلك أنّ الله تعالى أنزل بمكة على نبيّه ﷺ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، ففرح كفار مكة بذلك، وقالوا: واللّات والعُزّى، ما أمره وأمرنا عند إلهه الذي يعبده إلا واحد، ولولا أنّه ابتدع هذا الأمر مِن تلقاء نفسه لكان ربّه الذي بعثه يخبره بما يفعل به وبمن اتّبعه كما فعل بسليمان بن داود، وبعيسى ابن مريم والحواريين، وكيف أخبرهم بمصيرهم، فأمّا محمد فلا علم له بما يُفعل به ولا بنا! إنّ هذا لهو الضّلال كلّ الضّلال. فشقّ على المسلمين نزول هذه الآية، فقال أبو بكر وعمر ﵄ للنبي ﷺ: ألا تخبرنا ما اللهُ فاعل بك؟ فقال: «ما أحدث الله إلَيَّ أمرٌ بعد». فلما قدم المدينة قال عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين: كيف تتّبعون رجلًا لا يدري ما يفعل الله به، ولا بمن اتبعه؟ وضحكوا من المؤمنين، وعلم الله ما في قلوب المؤمنين مِن الحُزن، وعَلِم فَرَح المشركين من أهل مكة، وفَرَح المنافقين من أهل المدينة، فأنزل الله تعالى بالمدينة بعد ما رجع النبي ﷺ من الحُدَيبية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، فنَسَخَت هذه الآية قوله: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، فأخبر الله تعالى نبيّه ﷺ بما يفعل به، فنزلت هذه الآية على النبي ﷺ، فلمّا سمع عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين بنزول هذه الآية على النبي ﷺ، وأنّ الله قد غفر له ذنبه، وأنّه يفتح له على عدّوه، ويهديه صراطًا مستقيمًا، وينصره نصرًا عزيزًا، قال لأصحابه: يزعم محمدٌ أنّ الله غفر له ذنبه، وينصره على عدّوه! هيهات هيهات، لقد بقي له من العدّو أكثر وأكثر، فأين فارس والروم وهم أكثر عدوًّا وأشدّ بأسًا وأعزّ عزيزًا؟! ولن يظهر عليهم محمد، أيظنّ محمد أنهم مِثل هذه العصابة التي قد نزل بين أظهرهم وقد غلبهم بكذبه وأباطيله، وقد جعل لنفسه مخرجًا، ولا علم له بما يُفعل به ولا بمن اتّبعه، إنّ هذا لهو الخلاف المبين. فخرج النبي ﷺ على أصحابه، فقال: «لقد نزلت عليّ آية لَهِي أحبُّ إلَيَّ مِمّا بين السماء والأرض». فقرأ عليهم: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية، فقال أصحابه: هنيئًا مريئًا، يا رسول الله، قد علمنا الآن مالك عند الله، وما يفعل بك، فما لنا عند الله وما يفعل بنا؟ فنزلت سورة الأحزاب [٤٧]: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ يعني: عظيمًا، وهي الجنة. وأنزل: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ [الفتح:٥][[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٥-٦٦، وفي تفسير الثعلبي ٩/٤٢ نحوه مختصرًا.]]. (ز)
﴿لِّیَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ - تفسير الآية
٧١٠٩١- عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة - قال: إنّ الله فضّل محمدًا ﷺ على الأنبياء ﵈، وعلى أهل السماء. فقالوا: يا عبد الله بن عباس، بِمَ فضّله على أهل السماء؟ قال: إنّ الله قال لأهل السماء: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهُمْ إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩]، وقال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾. قالوا: فما فضله على الأنبياء ﵈؟ قال: قال الله ﷿: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، وقال الله ﷿ لمحمد ﷺ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ:٢٨]، فأرسله إلى الجنّ والإنس[[أخرجه الدارمي في سننه ١/١٩٣-١٩٤ (٤٧).]]. (ز)
٧١٠٩٢- عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: ما أمَّن اللهُ مِن خلقه أحدًا إلا محمدًا ﷺ، قال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾، وقال للملائكة: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهُمْ إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٢٩][[أخرجه أبو يعلى في مسنده (ط: دار الثقافة العربية) ٥/٩٦ (٢٧٠٥).]]. (ز)
٧١٠٩٣- عن عامر [الشعبي]= (ز)
٧١٠٩٤- وأبي جعفر [الباقر]، في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ قال: في الجاهلية، ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ قال: في الإسلام[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٣/٤٦٥)
٧١٠٩٥- قال عطاء الخُراسانيّ: ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ يعني: ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ ذنوب أمتك بدعوتك[[تفسير الثعلبي ٩/٤٢، وتفسير البغوي ٧/٢٩٨.]]٦٠٤٩. (ز)
٦٠٤٩ بيَّن ابنُ تيمية (٦/٦-٩ بتصرف) أن هذا القول «وإن كان لم يَقُلْه أحدٌ من الصحابة والتابعين ولا أئمة المسلمين، ولا يقولُه من يَعقِلُ ما يقول، فقد قاله طائفة من المتأخرين». ثم انتقده قائلًا: «ويَظُنُّ بعضُ الجهال أنّ هذا معنًى شريف، وهو كذِب على الله، وتحريفُ الكَلِم عن مواضعه». وبيَّن بطلانه -مستندًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- من وجوه: «الأول: أنّ آدم تاب وغفر له ذنبه قبل أن يولد نوح وإبراهيم، فكيف يقول له: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ليغفر الله لك ذنب آدم؟! الثاني: أنّ الله يقول: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الإسراء:١٥]، فكيف يضافُ ذنبُ أحدٍ إلى غيره؟! الثالث: أنّ في حديث الشفاعة الذي في الصحاح أنهم: «يأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك مِن روحه، وأسجد لك ملائكته، اشفع لنا إلى ربك. فيذكر خطيئته، ويأتون نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، فيقول لهم: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». فكان سبب قبول شفاعته كمال عبوديته، وكمال مغفرة الله له، فلو كانت هذه لآدم لكان يشفع لأهل الموقف. الرابع: أنّ هذه الآية لما نزلت قال أصحابه ﵃: يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]. فلو كان ما تأخر من ذنوبهم لقال: هذه الآية لكم. الخامس: كيف يقول عاقل: إنّ الله غفر ذنوب أمته كلها، وقد علم أنّ منهم مَن يدخل النار وإن خرج منها بالشفاعة؟! السادس: أنه قد ميَّز بين ذنبه وذنوب المؤمنين بقوله: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾، فكيف يكون ذنب المؤمنين ذنبًا له».
٧١٠٩٦- قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِيَغْفِرَ﴾ يعني: لكي يغفر ﴿لَكَ اللَّهُ﴾ بالإسلام ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ يعني: ما كان في الجاهلية، ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ يعني: وبعد النبوة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٦.]]. (ز)
٧١٠٩٧- عن سفيان، قال: بلغنا في قول الله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ قال: ﴿ما تَقَدَّمَ﴾ ما كان في الجاهلية، ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ ما كان في الإسلام؛ ما لم يفعله بعد[[عزاه السيوط إلى عَبد بن حُمَيد.]]٦٠٥٠. (١٣/٤٦٦)
٦٠٥٠ رجَّح ابنُ جرير (٢١/٢٣٦-٢٣٧) -مستندًا إلى القرآن، والسنة، والدلالة العقلية- أن قوله تعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ معناه: «إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا لِتَشْكُر ربَّك وتحمَدَه على ذلك، فيغفر لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر». وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما اخترنا هذا القول في تأويل هذه الآية لدلالة قول الله ﷿: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر:١-٣] على صحته، إذ أمَرَه -تعالى ذِكره- أن يُسَبِّح بحمد ربه إذا جاءه نصر الله وفتح مكة، وأن يستغفره، وأعلمه أنّه توابٌ على مَن فعل ذلك، ففي ذلك بيانٌ واضحٌ أنّ قوله -تعالى ذكره-: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ إنما هو خبرٌ من الله -جلَّ ثناؤه- نبيَّه -عليه الصلاة والسلام- عن جزائه له على شُكره له على النعمة التي أنعم بها عليه، من إظهاره له ما فتح؛ لأن جزاء الله تعالى عباده على أعمالهم دون غيرها». ثم استشهد بحديث عائشة، وبقول النبي ﷺ: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مئة مرة». ثم قال: «ولو كان القول في ذلك أنّه مِن خبر الله -تعالى ذكره- نبيَّه أنه قد غَفَر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر، على غير الوجه الذي ذكَرْنا، لم يكن لأمره إيّاه بالاستغفار بعد هذه الآية ولا لاستغفار نبيِّ الله ﷺ ربَّه -جلَّ جلاله- من ذنوبه بعدها معنًى يُعقَل؛ إذ الاستغفار معناه: طلبُ العبد من ربِّه ﷿ غفران ذنوبه، فإذا لم يكن ذنوبٌ تُغْفَر لم يكن لمسألته إيّاه غفرانها معنًى؛ لأنه من المُحال أن يقال: اللهم، اغفر لي ذنبًا لم أعْمَلْه».
وذكر ابنُ عطية (٧/٦٦٦) أن «المراد هنا: أنّ الله تعالى فتح لك لكي يجعل لك ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك. فكأنها لام صيرورة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لقد أُنزلت عليّ الليلة سورة هي أحبُّ إليَّ من الدنيا»».
ثم انتقد قول ابن جرير -مستندًا إلى أحوال النزول، والدلالة العقلية- قائلًا: «وهذا ضعيفٌ من وجهين: أحدهما: أنّ السورة ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ إنما نزلت في آخر مدة النبيِّ ﷺ ناعيةً له نفسه حسب ما قال ابن عباس ﵄، عندما سأل عمرُ ﵄ عن ذلك. والآخر: أنّ تخصيص النبي ﷺ بالتشريف كان يذهب، لأنّ كلّ واحد من المؤمنين مخاطبٌ بهذا الذي قال الطبري، أي: سبِّح واستغفر لكي يغفر الله لك، ولا يقتضي هذا أنّ الغفران قد وقع، وما قدَّمناه أولًا يقتضي وقوع الغفران للنبي ﷺ، ويدل على ذلك قول الصحابة ﵃ له ﷺ حين قام حتى تورَّمت قدماه: أتفعل هذا -يا رسول الله- وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!». فهذا نصٌّ في أن الغفران حكمٌ قد وقع».
وانتقد ابنُ عطية (٧/٦٦٧) قول سفيان قائلًا: «وهذا ضعيف، وإنما المعنى: التشريف بهذا الحكم، ولو لم تكن له ذنوب البتَّة».
ثم ذكر قول عطاء، ونقل عن بعضهم أن المعنى: «﴿ما تَقَدَّمَ﴾ هو قوله عليه الصلاة والسلام يوم بدر: «اللهم، إن تهلِك هذه العصابة لم تُعبَد». ﴿وما تَأَخَّرَ﴾ هو قوله عليه الصلاة والسلام يوم حنين: «لن نُغلَبَ اليوم من قِلَّة»». ثم انتقد ذلك قائلًا: «وهذا كلُّه مُعتَرَض».
﴿لِّیَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ - آثار متعلقة بالآية
٧١٠٩٨- عن عائشة، قالت: لَمّا نزل على رسول الله ﷺ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآية؛ اجتهد في العبادة، فقيل: يا رسول الله، ما هذا الاجتهادُ وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!»[[أخرجه الخرائطي في فضيلة الشكر لله ص٤٩ (٥٢)، وابن عساكر في تاريخه ٤/١٤٣ (٩٧٥). وأصله عند البخاري ٦/١٣٥ (٤٨٣٧)، ومسلم ٤/٢١٧٢ (٢٨٢٠) دون ذكر الآية.
قال ابن رجب: «إسناده ضعيف». ينظر: الجامع لتفسير الإمام ابن رجب الحنبلي ٢/٦٤٧.]]. (١٣/٤٦٦)
٧١٠٩٩- عن أبي هريرة: أنّ النبيّ ﷺ لَمّا نزلت: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ صام وصلّى حتى انتفخت قدماه، وتعبّد حتى صار كالشَّنِّ[[الشَنّ: مفرد شنان، وهي الأسْقِيَة الخَلِقَة. النهاية (شنن).]] البالي، فقيل له: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!»[[أخرجه البيهقي في الشعب ٣/٨٣ (١٤١٥)، وابن عساكر في تاريخه ٤/١٤١.
وأعلّ الدارقطني في علله ٨/٢٣ (١٣٨٦) وصله مِن حديث أبي هريرة أو عائشة، وصحّح إرساله من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبي ﷺ.]]. (١٣/٤٦٦)
٧١١٠٠- عن المغيرة بن شعبة، قال: كان النبي ﷺ يصلّي حتى تَرِم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!»[[أخرجه البخاري ٢/٥٠ (١١٣٠)، ٦/١٣٥ (٤٨٣٦)، ٨/٩٩ (٦٤٧١)، ومسلم ٤/٢١٧١ (٢٨١٩)، والثعلبي ٦/٢٣٧.
وقد أورد السيوطي ١٣/٤٦٧-٤٦٩ أحاديث أخرى كثيرة في معنى هذه الأحاديث.]]. (١٣/٤٦٧)
﴿وَیُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكَ وَیَهۡدِیَكَ صِرَ ٰطࣰا مُّسۡتَقِیمࣰا ٢﴾ - تفسير
٧١١٠١- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يعني: دينًا مستقيمًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٦.]]. (ز)
48:3Page 511
وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا ٣
And [that] Allāh may aid you with a mighty victory.
﴿وَیَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِیزًا ٣﴾ - تفسير
٧١١٠٢- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ يقول: ولكي ينصرك الله بالإسلام على عدوّك ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ يعني: منيعًا فلا تذلّ، فهذا الذي قضى الله له: المغفرة، والغنيمة، والإسلام، والنصر[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٦-٦٧.]]. (ز)
٧١١٠٣- عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، قال: يريد بذلك: فتْح مكة، وخَيْبَر، والطائف[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٣/٤٦٩)
48:4Page 511
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٤
It is He who sent down tranquility into the hearts of the believers that they would increase in faith along with their [present] faith. And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth, and ever is Allāh Knowing and Wise.
﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِینَةَ فِی قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ - نزول الآية
٧١١٠٤- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ دخل المؤمنون على رسول الله ﷺ يُهَنِّئونه، فهنّأهم رسول الله ﷺ بتقوى؛ فأنزل الله: ﴿هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾[[أخرجه إسحاق البستي ص٣٦٦.]]. (ز)
٧١١٠٥- قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ وذلك أنّه لَمّا نزل النبي ﷺ بالحُدَيبية بعثتْ قريشٌ منهم سُهيلَ بن عمرو القرشي، وحُويطبَ بن عبد العُزّى، ومكرزَ بن حفص بن الأحنف، على أن يعرضوا على النبي ﷺ أن يرجع مِن عامه ذلك، على أن تُخَلِّي قريشٌ له مكة مِن العام المقبل ثلاثة أيام، ففعل ذلك النبيُّ ﷺ، وكتبوا بينهم وبينه كتابًا، فقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب: «اكتب بيننا كتابًا، اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سُهيل بن عمرو وأصحابه: ما نعرف هذا، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم. فهمَّ أصحابُ النبي ﷺ ألّا يُقِرُّوا بذلك، فقال النبي ﷺ لعلي: «اكتب ما يقولون». فكتب: باسمك اللهم. ثم قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسولُ الله أهلَ مكة». فقال سُهيل بن عمرو وأصحابه: لقد ظلمناك إنْ علمنا أنك رسول الله ونمنعك ونردّك عن بيته! ولا نكتب هذا، ولكن اكتب الذي نعرف: هذا ما صالح عليه محمدُ بنُ عبد الله أهلَ مكة. فقال النبي ﷺ: «يا عليٌّ، اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، وأنا أشهد أني رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله». فهمَّ المسلمون ألا يُقِرّوا أن يكتبوا هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فأنزل الله السكينة، يعني: الطمأنينة عليهم. فذلك قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ أن يُقرّوا لقريش حتى يكتبوا: باسمك اللهم ... إلى آخر القصة، وأنزل في قول أهل مكة: لا نعرف أنك رسول الله ولو علمنا ذلك لقد ظلمناك حين نمنعك عن بيته ...: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨] أنّ محمدًا رسول الله، فلا شاهد أفضل منه[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٧-٦٨.]]. (ز)
٧١١٠٦- عن ابن لهيعة، عن غير واحد، أنّ رسول الله ﷺ قال يومًا: «قد أُنزِلَتْ آيةٌ عظيمةٌ». فقالوا: وكيف، يا رسول الله؟ فقال: «ما كنت بدعًا من الرسل، وما كنت أدري ما يُفعل بي ولا بكم». فبكَوا، وقالوا: لا تدري؟ فقال: «لا، واللهِ». فأنزل الله: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ حتى بلغ: ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾. قالوا: قد بيّن الله لك، يا رسول الله، فكيف بنا؟ فبكَوا بكاءً شديدًا، فقال: إنّ لكم ربًّا رحيمًا. فأتمّها الله رحمة منه: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ حتى بلغ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٤-٥]، فكبرّوا الله وحمدوه[[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع -تفسير القرآن ٣/٣٥ (٥٦).]]. (ز)
﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِینَةَ فِی قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ - تفسير الآية
٧١١٠٧- عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾، قال: السَّكينة هي الرحمة[[أخرجه ابن جرير ٢١/٢٤٥-٢٤٦، والطبراني (١٣٠٢٨)، والبيهقي ٤/١٦٨ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٣/٤٦٩)
٧١١٠٨- قال عبد الله بن عبّاس: كلّ سكينة في القرآن فهي الطمأنينة، إلّا التي في البقرة[[تفسير الثعلبي ٩/٤٣. يشير إلى قوله تعالى: ﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:٢٤٨].]]. (ز)
٧١١٠٩- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿أنزل السكينة﴾، قال: السَّكينة من الله ﷿ كهيئة الريح، لها رأسٌ مِثل رأس الهِرّة، وجناحان[[تفسير مجاهد ص٦٠٧.]]. (ز)
٧١١١٠- قال محمد بن السّائِب الكلبي: هذا في أمر الحُدَيبية حين صدق اللهُ رسولَه الرؤيا بالحق[[تفسير الثعلبي ٩/٤٣، وتفسير البغوي ٧/٢٩٨.]]. (ز)
٧١١١١- قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ يعني: الطمأنينة[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٧.]]. (ز)
٧١١١٢- عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- قال: السَّكينة من أمر الله كهيئة الريح[[أخرجه إسحاق البستي في تفسيره ص٣٦٦.]]. (ز)
﴿لِیَزۡدَادُوۤا۟ إِیمَـٰنࣰا مَّعَ إِیمَـٰنِهِمۡۗ﴾ - تفسير
٧١١١٣- عن عبد الله بن مسعود، ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾، قال: تصديقًا مع تصديقهم[[عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.]]. (١٣/٤٧٠)
٧١١١٤- عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾، قال: إنّ الله بعث نبيَّه ﷺ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلمّا صدّق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلمّا صدّقوا بها زادهم الصيام، فلما صدَّقوا به زادهم الزكاة، فلما صدَّقوا بها زادهم الحج، فلما صدّقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينَهم، فقال: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]. قال عبد الله بن عباس: فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض، وأصدقه وأكمله: شهادة أن لا إله إلا الله[[أخرجه ابن جرير ٢١/٢٤٥-٢٤٦، والطبراني (١٣٠٢٨)، والبيهقي ٤/١٦٨ مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.]]. (١٣/٤٦٩)
٧١١١٥- قال الضَّحّاك بن مُزاحِم: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ يقينًا مع يقينهم[[تفسير الثعلبي ٩/٤٣، وتفسير البغوي ٧/٢٩٨.]]. (ز)
٧١١١٦- قال الحسن البصري: ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾، أي: تصديقًا مع تصديقهم[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤/٢٥٠-.]]. (ز)
٧١١١٧- قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِيَزْدادُوا﴾ يعني: لكي يزدادوا ﴿إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ يعني: تصديقًا مع تصديقهم الذي أمرهم الله به في كتابه، فيُقِرّوا أن يكتبوا: باسمك، اللهم. ويُقرّوا أن يكتبوا: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٧.]]. (ز)
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِیمًا حَكِیمࣰا ٤﴾ - تفسير
٧١١١٨- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأَرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عليمًا بخلْقه، حكيمًا في أمره[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٨.]]. (ز)
48:5Page 511
لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٥
[And] that He may admit the believing men and the believing women to gardens beneath which rivers flow to abide therein eternally and remove from them their misdeeds - and ever is that, in the sight of Allāh, a great attainment –
﴿لِّیُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَا وَیُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَیِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَ ٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِیمࣰا ٥﴾ - نزول الآية
٧١١١٩- عن أنس بن مالك -من طُرُق عن قتادة- قال: نزلتْ على النَّبِيّ ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ مرجعَه مِن الحُدَيبية، فقال: «لقد أُنزلتْ عَلَيَّ آيةٌ هي أحبّ إلَيَّ مِمّا على الأرض». ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئًا مريئًا، يا رسول الله، قد بيّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ حتى بلغ: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾[[أخرجه أحمد ٢٠/٣٣٥ (١٣٠٣٥)، والترمذي ٥/٤٦٦ (٣٥٦٤) واللفظ له، وابن حبان ١٤/٣٢٢ (٦٤١٠)، وابن جرير ٢١/٢٣٩-٢٤١، وعبد الرزاق ٣/٢١٠ (٢٨٩٥)، والثعلبي ٩/٤٣.
قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
وأخرجه البخاري ٥/١٢٥ (٤١٧٢) مختصرًا، من طريق شعبة، عن قتادة، وفي آخره: قال شعبة: فقدمت الكوفة، فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت، فذكرت له، فقال: أما ﴿إنا فتحنا لك﴾ فعن أنس، وأما «هنيئًا مريئًا» فعن عكرمة.]]. (١٣/٤٧٠)
٧١١٢٠- عن أنس بن مالك -من طريق الحكم بن عبد الملك، عن قتادة - قال: لما رجعنا من الحُدَيبية وأصحاب محمد ﷺ قد خالطوا الحُزن والكآبة حيث ذبحوا هَدْيهم في أمكنتهم، فقال رسول الله ﷺ: «أُنزلتْ عليَّ ضُحًى آيةٌ هي أحبُّ إلَيَّ مِن الدنيا جميعًا». ثلاثًا، قلنا: ما هي، يا رسول الله؟ فقرأ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآيتين. قلنا: هنيئًا لك، يا رسول الله، فما لنا؟ فقرأ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الآية. فلما أتينا خَيْبَر فأبصروا خَمِيس رسول الله ﷺ -يعني: جيشه- أدبروا هاربين إلى الحِصن، فقال رسول الله ﷺ: «خَرِبتْ خَيْبَر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين»[[أخرجه الحاكم ٢/٤٩٩ (٣٧١٣)، وابن جرير ٢١/٢٣٩-٢٤١.
في إسناده الحكم بن عبد الملك، قال عنه الذهبي في التلخيص: «الحكم -يعني: ابن عبد الملك- ضعيف».]]. (١٣/٤٧١)
٧١١٢١- عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق قتادة- قال: لَمّا نزلتْ هذه الآية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآية؛ قال أصحاب رسول الله ﷺ: هنيئًا لك ما أعطاك ربُّك، هذا لك، فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ إلى آخر الآية[[أخرجه ابن جرير ٢١/٢٤١ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعَبد بن حُمَيد، وابن مردويه.]]. (١٣/٤٧١)
٧١١٢٢- عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- قال: نزلتْ على النبي ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ مَرجعه مِن الحُدَيبية، فقال النبي ﷺ: «لقد نزلت عليّ آيةٌ أحبّ إلَيَّ مما على الأرض». ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئًا مريئًا، يا نبي الله، قد بيّن الله -تعالى ذكره- لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾[[أخرجه ابن جرير ٢١/٢٤١.]]. (ز)
٧١١٢٣- قال مقاتل بن سليمان: .... فخرج النبي ﷺ على أصحابه، فقال: «لقد نزلتْ عليّ آية لَهِي أحبُّ إلَيَّ مِمّا بين السماء والأرض». فقرأ عليهم: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية. فقال أصحابه: هنيئًا مريئًا، يا رسول الله، قد علمنا الآن ما لك عند الله وما يفعل بك، فما لنا عند الله وما يفعل بنا؟ فنزلت سورة الأحزاب [٤٧]: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ يعني: عظيمًا، وهي الجنّة، وأنزل: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٦-٦٧.]]. (ز)
﴿لِّیُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَا وَیُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَیِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَ ٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِیمࣰا ٥﴾ - تفسير الآية
٧١١٢٤- عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ إلى قوله: ﴿ويُكَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾: فأعلم الله سبحانه نبيّه عليه الصلاة والسلام[[أخرجه ابن جرير ٢١/٢٤٧.]]. (ز)
٧١١٢٥- قال مقاتل بن سليمان: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ يعني: لكي يُدخِل المؤمنين والمؤمنات بالإسلام ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ مِن تحت البساتين ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ لا يموتون، ﴿و﴾لكي ﴿يُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ يعني: يمحو عنهم ذنوبهم، ﴿وكانَ ذلِكَ﴾ الخير ﴿عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فأخبر الله تعالى نبيَّه بما يفعل بالمؤمنين[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٨-٦٩.]]. (ز)
48:6Page 511
وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرٗا ٦
And [that] He may punish the hypocrite men and hypocrite women, and the polytheist men and polytheist women - those who assume about Allāh an assumption of evil nature. Upon them is a misfortune of evil nature; and Allāh has become angry with them and has cursed them and prepared for them Hell, and evil it is as a destination.
﴿وَیُعَذِّبَ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ وَٱلۡمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِینَ وَٱلۡمُشۡرِكَـٰتِ ٱلظَّاۤنِّینَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِۚ عَلَیۡهِمۡ دَاۤىِٕرَةُ ٱلسَّوۡءِۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَۖ وَسَاۤءَتۡ مَصِیرࣰا ٦﴾ - نزول الآية، وتفسيرها
٧١١٢٦- قال مقاتل بن سليمان: ... فانطلق عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين في نَفر معه إلى النبي ﷺ، فقالوا: ما لنا عند الله؟ فنزلت: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا ألِيمًا﴾ [النساء:١٣٨] يعني: وجيعًا. ﴿ويُعَذِّبَ﴾ يعني: ولكي يعذِّب ﴿المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ مِن أهل المدينة؛ عبد الله بن أُبي وأصحابه، ﴿والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ يعني: من أهل مكة، ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وكان ظنّهم حين قالوا: واللّات والعُزّى، ما نحن وهو عند الله إلا بمنزلة واحدة، وأنّ محمدًا لا يُنصر. فبئس حين ما ظنُّوا، يقول الله: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهُمْ وأَعَدَّ لَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ يعني: وبئس المصير[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٩.]]٦٠٥١. (ز)
٦٠٥١ نقل ابنُ عطية (٧/٦٦٩) في معنى: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ قولين: الأول: «معناه: من قولهم: ﴿لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ﴾ الآية [الفتح:١٢]». ثم وجَّهه بقوله: «فكأنهم ظنُّوا بالله تعالى ظنَّ سوءٍ في جهة الرسول ﷺ والمؤمنين». الثاني: «ظنوا بالله تعالى ظنَّ سَوءٍ إذ هم يعتقدونه بغير صفاته». ثم وجَّهه بقوله: «فهي ظنون سَوءٍ من حيث هي كاذبة مؤدِّية إلى عذابهم في نار جهنم». ثم علَّق بقوله: «وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ كأنه يُقوِّي التأويل الآخر -أي: القول الأول-، أي: أصابهم ما أرادوه بكم».
48:7Page 511
وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ٧
And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِیزًا حَكِیمًا ٧﴾ - نزول الآية، وتفسيرها
٧١١٢٧- قال مقاتل بن سليمان: ... وأنزل الله تعالى في قول عبد الله بن أُبَي حين قال: فأين أهل فارس والروم؟: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ﴾ يعني: الملائكة، ﴿والأَرْضِ﴾ يعني: المؤمنين، فهؤلاء أكثر من فارس والرّوم، ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ في مُلكه ﴿حَكِيمًا﴾ في أمْره، فحكَم النّصر للنبي ﷺ. وأنزل في قول عبد الله بن أُبي: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ أي: محمد ﷺ وحده ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] يقول: أقوى وأعزّ مِن أهل فارس والرّوم؛ لقول عبد الله بن أُبي هم أشدُّ بأسًا وأعزّ عزيزًا[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٩.]]٦٠٥٢. (ز)
٦٠٥٢ نقل ابن عطية (٧/٦٧٠) عن ابن المبارك -نقلًا عن النقاش- أن «جنود الله في السماء: الملائكة. وفي الأرض: الغزاة في سبيل الله تعالى». ثم علَّق بقوله: «وهذا بعضٌ من كلّ».
48:8Page 511
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٨
Indeed, We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner
﴿إِنَّاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ شَـٰهِدࣰا وَمُبَشِّرࣰا وَنَذِیرࣰا ٨﴾ - تفسير
٧١١٢٨- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ قال: شاهدًا على أُمّته على أنه قد بلّغهم، وشاهدًا على الأنبياء أنهم قد بلّغوا، ﴿ومُبَشِّرًا﴾ يبشّر بالجنة مَن أطاع الله، ﴿ونَذِيرًا﴾ يُنذر النار من عصاه[[أخرجه ابن جرير ٢١/٢٥٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١٣/٤٧١)
٧١١٢٩- قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ يا محمد إلى هذه الأمة ﴿شاهِدًا﴾ عليها بالرسالة، ﴿و﴾ أرسلناك ﴿مُبَشِّرًا﴾ بالنّصر في الدنيا، والجنّة في الآخرة، ﴿ونَذِيرًا﴾ مِن النار[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٦٩.]]. (ز)
٧١١٣٠- عن مقاتل بن حيّان -من طريق بكير بن معروف-: ﴿إنا أرسلناك شاهدا﴾ على هذه الأمة، ﴿ومبشرا﴾ بالجنة والنصر في الدنيا، ﴿ونذيرا﴾ من النار[[أخرجه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة ٢/٦٧٣.]]٦٠٥٣. (ز)
٦٠٥٣ ذكر ابنُ عطية (٧/٦٧١) في معنى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ قولين: الأول: الشاهد: محصِّل الشهادة من يوم يحصِّلها. ووجَّهه بقوله: «فقوله تعالى: ﴿شاهِدًا﴾ حالٌ واقعة». الثاني: الشاهد: مؤدِّي الشهادة. ووجَّهه بقوله: «فهي حالٌ مستقبلة، وهي التي يسمّيها النّحاة: المقدَّرَة». ثم علَّق بقوله: «والمعنى: شاهِدًا على الناس بأعمالهم وأقوالهم حين بلَّغْتَ إليهم الشرع، ومُبَشِّرًا أهل الطاعة برحمة الله تعالى، ونذيرًا لأهل الكفر ينذرهم من عذاب الله ﷿».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences