At-Tafsir al-Ma'thur · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:33–35, continued
٢٢٣٣٤- عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: فنَهى اللهُ نبيه عليه الصلاة والسلام عن أن يسْمُل أعين العُرَنِيِّين الذين أغاروا على لقاحه، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزلها الله عليه، فنظر إلى مَن أخذ المال ولم يقتُل فقَطَع يده ورجله مِن خلاف؛ يده اليمنى ورجله اليسرى، ونظر إلى مَن قتل ولم يأخذ مالًا فقتله، ونظر إلى مَن أخذ المال وقَتَل فصَلَبه، وكذلك ينبغي لكلِّ مَن أخاف طريق المسلمين وقطع أن يُصنَع به إن أُخِذ وقد أخَذ مالًا قُطِعت يده بأخذه المال ورجله بإخافة الطريق، وإن قتل ولم يأخذ مالًا قُتِل، وإن قَتَل وأخذ المال صُلِب[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٧٥.]]. (ز)
٢٢٣٣٥- عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾، قال: كان ناس يسعون في الأرض فسادًا وقَتَلوا وقَطَعوا السبيل فصُلِب أولئك، وكان آخرون حاربوا واستحَلَّوا المال ولم يَعْدُوا ذلك فقُطِعت أيديهم وأرجلهم، وآخرون حاربوا واعتزلوا ولم يَعْدُوا ذلك فأولئك أُخرِجوا من الأرض[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٧٦.]]٢٠٦٦. (ز)
٢٠٦٦ اختلف المفسرون في الخِلال الواردة في الآية أتلزم المحارب باستحقاقه اسم المحاربة، أم يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه مختلفًا باختلاف إجرامه؟ على قولين: الأول: يلزمه ما لزمه من ذلك على قدر جرمه، مختلفًا باختلاف إجرامه. والثاني: الإمام فيه بالخيار أن يفعل أي هذه الأشياء التي ذكرها الله.
ورجَّح ابنُ جرير (٨/٣٨١) القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي، وإبراهيم من طريق حماد، وأبي مجلز، والحسن من طريق سماك، وحصين، وقتادة من طريق سعيد، والسدي، وفضيل بن مرزوق، وسعيد بن جبير، والربيع، ومورق العجلي مستندًا إلى دلالة السنّة فيما مضى ذكره في توجيه القول، وقال: «وأولى التأويلين بالصواب في ذلك عندنا تأويل من أوجب على المحارب من العقوبة على قدر استحقاقه». وقال (٨/٣٨٣): «وقد روي عن رسول الله ﷺ بتصحيح ما قلنا في ذلك خبرٌ في إسناده نظر». وساق رواية يزيد بن أبي حبيب عن أنس التي مرت في نزول الآية.
وذكر ابنُ كثير (٣/١٠٠) أنّ الرواية تشهد لهذا القول لو صحَّت.
وعلَّق ابنُ عطية (٣/١٥٦) على هذا القول بقوله: «وهو أحْوَط للمفتي، وأَصْوَن لدم المحارب».
وانتقد ابنُ جرير (٣٨١-٣٨٢) القول الثاني مستندًا لمخالفته اللغة، والسنة، وذلك أنّ «أو» في لغة العرب تأتي بضروب عدة، وهي في هذا الموطن للتعقيب، كقول القائل: جزاء المؤمنين عند الله أن يدخلهم الجنة، أويرفع منازلهم، أو يسكنهم مع الأنبياء. فليس المقصود أنّ جزاء كل مؤمن هو مرتبة من هذه المراتب، بل أن جزاء المؤمن لن يخلو من بعض هذه المنازل. ثم إنّ ﴿أو﴾ لو كانت للتخيير لجاز للإمام قتلُ مَن شهر السلاح مخيفًا السبيل وصلبه، وإن لم يأخذ مالًا ولا قتل أحدًا، وذلك خلاف الثابت عن النبي ﷺ من أنّ دم المسلم لا يحل إلا بإحدى ثلاث: ارتداد، أو زِنًا بعد إحصان، أو قتل نفس، وأنه لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا. ثم قال: «وبعدُ: فإذا كان الإمام مخيرًا في الحكم على المحارب من أجل أن ﴿أو﴾ بمعنى التخيير في هذا الموضع عندك، أفله أن يصلبه حيًّا ويتركه على الخشبة مصلوبًا حتى يموت من غير قتله؟ فإن قال: ذلك له. خالف في ذلك الأمة. وإن زعم أن ذلك ليس له، وإنما له قتله ثم صلبه أو صلبه ثم قتله، ترك علته من أن الإمام إنما كان له الخيار في الحكم على المحارب من أجل أن ﴿أو﴾ تأتي بمعنى التخيير، وقيل له: فكيف كان له الخيار في القتل أو النفي أو القطع ولم يكن له الخيار في الصلب وحده، حتى تجمع إليه عقوبة أخرى؟ وقيل له: هل بينك وبين مَن جعل الخيار حيث أبيت وأبى ذلك حيث جعلته له فرقٌ من أصل أو قياس؟ فلن يقول في أحدهما قولًا إلا ألزم في الآخر مثله».
وذكر ابنُ عطية (٣/١٥٦) أنّ في هذا القول سدًّا للذريعة وحفظًا للناس والطرق.
﴿أَوۡ تُقَطَّعَ أَیۡدِیهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَـٰفٍ﴾ - تفسير
٢٢٣٣٦- قال مقاتل بن سليمان: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ مِن خِلافٍ﴾، يعني: اليد اليمنى والرجل اليسرى، فالإمام في ذلك بالخيار في القتل، والصلب، وقطع الأيدي والأرجل[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٤٧٣.]]. (ز)
٢٢٣٣٧- قال يحيى بن سلّام: سألت الجهم بن وراد الكوفي عن قوله: ﴿من خلاف﴾. فقال: يده اليمنى ورجله اليسرى[[تفسير ابن أبي زمنين ٢/٢٦.]]. (ز)
﴿أَوۡ یُنفَوۡا۟ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ - تفسير
٢٢٣٣٨- عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي-: نفيُه أن يُطْلَبَ[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٤.]]. (٥/٢٨٨)
٢٢٣٣٩- عن عبد الله بن عباس: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾: أن يعجزوا فلا يقدر عليهم[[تفسير ابن أبي زمنين ٢/٢٦.]]. (ز)
٢٢٣٤٠- عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ﴿أو ينفوا من الأرض﴾: يُهَرَّبوا؛ يُخرَجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]. (٥/٢٨٥)
٢٢٣٤١- عن أنس بن مالك -من طريق يزيد بن أبي حبيب- قال: نفيُه أن يطلبَه الإمامُ حتى يأخذه، فإذا أخذه أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله بما استحَل[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٤-٣٨٥.]]. (٥/٢٨٨)
٢٢٣٤٢- عن سعيد بن جبير -من طريق قيس بن سعد- في الآية، قال: مَن أخاف سبيلَ المسلمين نُفِيَ من بلده إلى غيره[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٧.]]. (٥/٢٨٩)
٢٢٣٤٣- عن سعيد بن جبير -من طريق أبي معاوية-= (ز)
٢٢٣٤٤- وعن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي صخر- في قوله: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾: من أرض الإسلام إلى أرض الكفر[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٧٧، ٣٨٦.]]. (ز)
٢٢٣٤٥- عن يزيد بن أبي حبيب: أنّ الصلت كاتب حيان بن سريج أخبرهم أنّ حيان كتب إلى عمر بن عبد العزيز: أنّ ناسًا من القِبط قامت عليهم البيِّنة بأنّهم حاربوا الله ورسوله، وسعوا في الأرض فسادًا، وأن الله يقول: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿وأرجلهم من خلاف﴾. وسكت عن النفي، وكتب إليه: فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يُمضِي قضاء الله فيهم فليكتب بذلك. فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه قال: لقد اجْتَزَأ حيّان. ثم كتب إليه: إنّه قد بلغني كتابُك، وفهمته، ولقد اجتزأتَ، كأنما كتبت بكتاب يزيد بن أبي مسلم، أو عِلْج صاحب العراق! مِن غير أن أشبهك بهما، فكتبت بأول الآية، ثم سكتَّ عن آخرها، وإنّ الله يقول: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾. فإن كانت قامت عليهم البيِّنة بما كتبتَ به فاعقد في أعناقهم حديدًا، ثم غيِّبْهم إلى شَغْبٍ وبَدا[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٧-٣٨٨.]]٢٠٦٧. (ز)
٢٠٦٧ ذكر ابنُ جرير (٨/٣٨٨) أنّ «شَغْب» و«بَدا» موضعان.
٢٢٣٤٦- عن الضحاك بن مزاحم -من طريق جويبر- ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾، قال: أن يُطلبوا حتى يُعجزوا[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٥.]]. (ز)
٢٢٣٤٧- عن الحسن البصري، في قوله: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾، قال: من بلد إلى بلد[[عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (٥/٢٨٨)
٢٢٣٤٨- عن الحسن البصري -من طريق عاصم- قال: يُنفى حتى لا يُقدَرَ عليه[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٥-٣٨٦.]]. (٥/٢٨٨)
٢٢٣٤٩- عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ إذا لم يقتل ولم يأخذ مالًا طُلِب حتى يعجز[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٦.]]. (ز)
٢٢٣٥٠- عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق معمر- في قوله: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾، قال: نفيه أن يُطلَبَ فلا يُقدَرَ عليه، كلما سُمِع به في أرض طُلِبَ[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (٥/٢٨٩)
٢٢٣٥١- عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾، قال: يطلبهم الإمام بالخيل والرجال حتى يأخذهم، فيقيم فيهم الحكم، أو ينفوا من أرض المسلمين[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٤.]]. (ز)
٢٢٣٥٢- عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في الآية، قال: يُخرَجوا من الأرض، أينما أُدرِكوا أُخرِجوا، حتى يَلحَقوا بأرضِ العدو[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٦.]]. (٥/٢٨٩)
٢٢٣٥٣- عن أبي حنيفة وأصحابه، أنّ معنى النفي من الأرض في هذا الموضع: الحبس[[علَّقه ابن جرير ٨/٣٨٨.]]. (ز)
٢٢٣٥٤- قال مقاتل بن سليمان: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾، يقول: يخرجوا من الأرض -أرض المسلمين-، فيُنفَوا بالطَّرْد[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٤٧٣.]]. (ز)
٢٢٣٥٥- عن الوليد، قال: قلت لمالك بن أنس= (ز)
٢٢٣٥٦- والليث بن سعد: وكذلك يُطلَب المحارب المقيم على إسلامه، يضطره بطلبه من بلد إلى بلد حتى يصير إلى ثغر من ثغور المسلمين، أو أقصى حوز المسلمين، فإن هم طلبوه دخل دار الشرك؟ قالا: لا يُضطَر مسلم إلى ذلك[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٨٥.]]٢٠٦٨. (ز)
٢٠٦٨ اختلف المفسرون في معنى النفي على ثلاثة أقوال: الأول: هو أن يُطلَب حتى يقدر عليه، أو يهرب من دار الإسلام. والثاني: الحبس. والثالث: المعنى: أنّ الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها.
ورجَّح ابنُ جرير (٨/٣٨٩ بتصرف) القول الأخير الذي قال به سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «لأنّ أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة، وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنّ الله -جلَّ ثناؤه- إنما جعل جزاء المحارب القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف بعد القدرة عليه لا في حال امتناعه؛ كان معلومًا أنّ النفي أيضًا إنما هو جزاؤه بعد القدرة عليه لا قبلها، ولو كان هروبه من الطلب نفيًا له من الأرض كان قطع يده ورجله من خلاف في حال امتناعه وحربه على وجه القتال بمعنى إقامة الحد عليه بعد القدرة عليه، وفي إجماع الجميع أنّ ذلك لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله ﷿ حدًّا له بعد القدرة عليه [ما يُبطل أن يكون نفيه من الأرض: هروبه من الطلب]، وإذ كان كذلك فمعلومٌ أنّه لم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو النفي من بلدة إلى أخرى غيرها، أو السجن. فإذ كان كذلك فلا شك أنّه إذا نُفِي من بلدة إلى أخرى غيرها فلم يُنفَ من الأرض، بل إنما نفي من أرض دون أرض، وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله -جل ثناؤه- إنما أمر بنفيه من الأرض؛ كان معلومًا أنّه لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بقعة منها عن سائرها، فيكون منفيًّا حينئذ عن جميعها، إلا مما لا سبيل إلى نفيه منه».
وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٣/١٥٧) مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «والظاهر أنّ الأَرْض في هذه الآية هي أرض النازلة، وقد جنب الناس قديمًا الأرض التي أصابوا فيها الذنوب، ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب المنفيُّ مخوفَ الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة وإفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب ترك مسرحًا، وهذا هو الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري، وهو الراجح؛ لأن نفيه من أرض النازلة أو الإسلام هو نص الآية، وسجنه بعدُ بحسب الخوف منه، فإذا تاب وفُهِم حاله سُرِّح».
﴿ذَ ٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡیࣱ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِیمٌ ٣٣﴾ - تفسير
٢٢٣٥٧- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذَلِكَ﴾ جزاءهم الخزي ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا﴾ قطع اليد والرجل، والقتل، والصلب في الدنيا، ﴿ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: كثيرًا وافرًا لا انقطاع له[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٤٧٣.]]. (ز)
﴿ذَ ٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡیࣱ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَلَهُمۡ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِیمٌ ٣٣﴾ - آثار متعلقة بالآية
٢٢٣٥٨- عن عائشة، أنّ النبي ﷺ قال: «لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاثِ خصال: زانٍ مُحصَنٍ يُرجَم، أو رجل قَتَل متعمدًا فيُقتَل، أو رجل خرج من الإسلام فحارب فيُقتَل، أو يُصلُب، أو يُنفى من الأرض»[[أخرجه أبو داود ٦/٤٠٨-٤٠٩ (٤٣٥٣)، والنسائي ٧/١٠١ (٤٠٤٨)، ٨/٢٣ (٤٧٤٣)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص٣٩١ واللفظ له.
وصححه الحاكم ٤/٤٠٨ (٨٠٩٥)، وقال: «حديث صحيح الإسناد، على شرط الشيخين». وقال الذهبي في التلخيص: «على شرط البخاري ومسلم». وقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق ٤/٤٦١ (٢٨٧٨): «حديث صحيح، على شرط الصحيح». وقال ابن حجر في الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/٢٦٢ (١٠٠٨): «إسناده صحيح».]]. (٥/٢٨٦)
5:34Page 113
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤
Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿إِلَّا ٱلَّذِینَ تَابُوا۟ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُوا۟ عَلَیۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ٣٤﴾ - نزول الآية، وتفسيرها
٢٢٣٥٩- عن عامر الشعبي، قال: كان حارثةُ بن بدر التميمي من أهل البصرة قد أفسد في الأرض، وحارب، وكلَّم رجالًا من قريش أن يستأمِنوا له عليًّا، فأبَوا، فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فأتى عليًّا، فقال: يا أمير المؤمنين، ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا؟ قال: ﴿أن يُقتَّلوا، أو يصَلَّبوا، أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلُهم من خِلاف، أو يُنفَوا من الأرض﴾. ثم قال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾. فقال سعيد: وإن كان حارثةَ بن بدر؟ قال: وإن كان حارثةَ بن بدر. فقال: هذا حارثة بن بدر قد جاء تائبًا، فهو آمِن. قال: نعم. قال: فجاء به إليه، فبايعه، وقَبِل ذلك منه، وكتَب له أمانًا[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/٢٨١، وابن أبي الدنيا (٤٠٩)، وابن جرير ٨/٣٩٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.]]. (٥/٢٨٩)
٢٢٣٦٠- عن أشعث، عن رجل، قال: صلّى رجلٌ مع أبي موسى الأشعري الغداة، ثم قال: هذا مقام العائذ التائب، أنا فلان بن فلان، إنِّي كنتُ مِمَّن حارب الله ورسوله، وجئتُ تائبًا من قبلِ أن يُقدَر عليَّ. فقال أبو موسى: إنّ فلان بن فلان كان مِمَّن حارب الله ورسوله، وجاء تائبًا من قبل أن يُقدَر عليه، فلا يَعرِضْ له أحدٌ إلا بخير، فإن يكن صادقًا فسبيلي ذلك، وإن يك كاذبًا فلعلَّ الله أن يأخذه بذنبه[[أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/٢٨٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (٥/٢٩٠)
٢٢٣٦١- عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- ... فإن جاء تائبًا فدخل في الإسلام قُبِلَ منه، ولم يُؤخَذْ بما سلَف[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٢، والطبراني (١٣٠٣٢).]]. (٥/٢٨٠)
٢٢٣٦٢- عن سعيد بن جبير -من طريق أبي معاوية-= (ز)
٢٢٣٦٣- ومحمد بن كعب القرظي -من طريق أبي صخرة- قالا: إن جاء تائبًا لم يَقْتَطِعْ مالًا ولم يَسفِك دمًا فذلك الذي قال الله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٨.]]. (٥/٢٨٩)
٢٢٣٦٤- عن هشام بن عروة بن الزبير: أنّهم سألوا عروة عمَّن تَلَصَّص في الإسلام، فأصاب حدودًا، ثم جاء تائبًا. فقال: لا تُقبَل توبته، لو قُبِل ذلك منهم اجْتَرَءوا عليه، وكان فسادًا كبيرًا، ولكن لو فرَّ إلى العدوِّ ثم جاء تائبًا لم أرَ عليه عقوبة[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٩.]]٢٠٦٩. (ز)
٢٠٦٩ علَّق ابنُ عطية (٣/١٥٨) على هذا القول بقوله: «لا أدري، هل أراد ارتدَّ أم لا؟».
٢٢٣٦٥- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿ويسعون في الأرض فسادا﴾ قال: الزِّنا، والسرقة، وقتل النفس، وإهلاك الحرث والنسل، ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ على عهد الرسول[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٢.]]. (ز)
٢٢٣٦٦- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾، قال: هذا لأهل الشرك، إذا فعلوا شيئًا في شركهم فإنّ الله غفور رحيم إذا تابوا وأسلموا[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٢.]]. (ز)
٢٢٣٦٧- عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- قال: كان قومٌ بينَهم وبين النبي ﷺ ميثاقٌ، فنقَضوا العهد، وقطَعوا السُّبُل، وأفسدوا في الأرض، فخيَّر الله نبيه فيهم؛ إن شاء قتَل، وإن شاء صلَب، وإن شاء قطَّع أيديهم وأرجلهم من خِلاف، ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ قال: هو أن يُطلَبوا حتى يُعجِزوا، فمن تاب قبلَ أن يَقدِروا عليه قُبِلَ ذلك منه[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٦٠، ٣٨٥، ٣٩٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (٥/٢٨٨)
٢٢٣٦٨- عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق يزيد النحوي-= (ز)
٢٢٣٦٩- والحسن البصري -من طريق يزيد النحوي- قالا: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورسولهُ ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين؛ فمَن تاب منهم من قبل أن يُقدَر عليه لم يكن عليه سبيل، وليس تحْرُز هذه الآيةُ الرجلَ المسلم مِن الحدِّ إن قَتَل، أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله ثم لحق بالكفار قبل أن يقدر عليه، ذلك يُقام عليه الحدُّ الذي أصاب[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩١.]]. (ز)
٢٢٣٧٠- عن الحكم بن عتيبة -من طريق حجاج- قال:= (ز)
٢٢٣٧١- قاتل الله الحَجّاج إن كان لَيَفْقَه! أمَّن رجلًا من محاربته، فقال: انظروا، هل أصاب شيئًا قبل خروجه؟[[أخرجه ابن جرير ٨/٤٠٠.]]. (ز)
٢٢٣٧٢- عن عطاء [بن أبي رباح] -من طريق مطرف بن معقل- أنّه سُئل عن رجل سرق سَرِقة، فجاء تائبًا من غير أن يُؤخذ عليه، هل عليه حدٌّ؟ قال: لا. ثم قال: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ الآية[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (٥/٢٩١)
٢٢٣٧٣- عن مكحول الشامي -من طريق سعيد بن عبد العزيز- قال: إذا أعطاه الإمام أمانًا فهو آمِن، ولا يقام عليه الحدُّ ما كان أصاب[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٥.]]. (ز)
٢٢٣٧٤- عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر-= (ز)
٢٢٣٧٥- وعطاء الخراساني -من طريق مَعْمَر-: وأمّا قوله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ فهؤلاء أهل الشِّرك خاصة، ومَن أصاب مِن المشركين شيئًا مِن المسلمين وهو لهم حربٌ، فأخذ مالًا، أو أصاب دمًا، ثم تاب من قبل أن يُقْدَر عليه؛ أُهدِرَ عنه ما مضى[[أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١/١٨٨، وفي المصنف (١٨٥٤٢)، وابن جرير ٨/٣٩٣. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢/٢٦- مختصرًا عن قتادة.]]٢٠٧٠. (٥/٢٨٧)
٢٠٧٠ ذكر ابنُ عطية (٣/١٥٨) أنّ قائلي هذا القول قالوا به لأنهم رأوا الوعيد بعد العقاب، ثم انتقده بقوله: «وهذا ضعيف».
٢٢٣٧٦- عن محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر-، مثله[[أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/١٨٨، وفي المصنف (١٨٥٤٢).]]. (ز)
٢٢٣٧٧- عن ربيعة [الرأي] -من طريق ابن لهيعة- قال: تُقبَل توبته، ولا يُتْبَعُ بشيء من أحْداثِه في حربه، إلا أن يطلبه أحدٌ بدم كان أصابه في سِلْمِه قبل حربه فإنه يُقاد به[[أخرجه ابن جرير ٨/٤٠٠.]]. (ز)
٢٢٣٧٨- عن إسماعيل السُّدِّيّ: ... إن جاء تائبًا إلى الإمام قبل أن يُقدَر عليه، فأمَّنه الإمام؛ فهو آمِن، فإن قتَله بعدُ إنسانٌ يعلمُ أنّ الإمام قد أمَّنه قُتِل به، فإن قتله وهو لا يعلم أنّ الإمام قد أمَّنه كانت الدية...[[عزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه.]]. (٥/٢٩١)
٢٢٣٧٩- عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾: وتوبته من قبل أن يُقدَر عليه أن يكتب إلى الإمام يستأمنه على ما قتل وأفسد في الأرض: فإن لم يُؤَمِّنِّي على ذلك ازددتُ فسادًا وقتلًا وأخذًا للأموال أكثر مما فعلتُ ذلك قبل. فعلى الإمام من الحقِّ أن يُؤَمِّنه على ذلك، فإذا أمَّنه الإمام جاء حتى يضع يده في يد الإمام، فليس لأحد من الناس أن يتبعه، ولا يأخذه بدمٍ سفكه، ولا مال أخذه، وكلُّ مالٍ كان له فهو له، لكيلا يقتل المؤمنين أيضًا ويُفسِد، فإذا رجع إلى الله -جلَّ وعزَّ- فهو ولِيُّه يأخذه بما صنع، وتوبته فيما بينه وبين الإمام والناس، فإذا أخذه الإمام وقد تاب فيما يزعم إلى الله -جل ثناؤه- قبل أن يُؤَمِّنه الإمام فليقم عليه الحد[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٥.]]. (ز)
٢٢٣٨٠- عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم- أنّه قال: ... ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾، فمن تاب من قبل أن يُقْدَر عليه فلا سبيل عليه، وليست تحْرُز هذه الآيةُ الرجلَ المسلمَ إذا قتل أو أفسد وحارب مِن أن يُقام عليه الحد، فإن[[كذا في المطبوع، ولعلها: وإن.]] لحق بأهل الكتاب[[أخرجه عبد الله بن وهب في الجامع - تفسير القرآن ٣/٨٣ (١٨١).]]. (ز)
٢٢٣٨١- قال مقاتل بن سليمان: ثم استثنى، فقال ﷿: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ من الشرك ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فتقيموا عليهم الحد، فلا سبيل لكم عليهم. يقول: مَن جاء منهم مُسلمًا قبل أن يؤخذ فإن الإسلام يهدم ما أصاب في كفره مِن قتلٍ أو أخذ مال، فذلك قوله سبحانه: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما كان منه في كفره ﴿رَحِيمٌ﴾ به حين تاب ورجع إلى الإسلام، فأمّا مَن قتل وهو مسلم فارتَدَّ عن الإسلام ثم رجع مسلمًا فإنه يؤخَذ بالقصاص[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٤٧٣.]]. (ز)
٢٢٣٨٢- عن الوليد بن مسلم، قال: ذكرت لأبي عمرو [الأوزاعي] قول عروة: يُقام عليه حَدُّ ما فَرَّ منه، ولا يجوز لأحد فيه أمان. فقال أبو عمرو: إن فَرَّ من حَدَثه في دار الإسلام، فأعطاه إمامٌ أمانًا؛ لم يجز أمانه، وإن هو لحق بدار الحرب، ثم سأل إمامًا أمانًا على أحداثه؛ لم ينبغ للإمام أن يعطيه أمانًا، وإن أعطاه الإمام أمانًا وهو غير عالم بأحداثه فهو آمن، وإن جاء أحد يطلبه بدم أو مال رُدَّ إلى مأمنه، فإن أبى أن يرجع فهو آمن، ولا يتعرض له. قال: وإن أعطاه أمانًا على أحداثه وهو يعرفها فالإمام ضامنٌ واجبٌ، عليه عَقْلُ ما كان أصاب من دم أو مال، وكان فيما عطّل من تلك الحدود والدماء آثمًا، وأمره إلى الله جل وعز. قال: وقال أبو عمرو: فإذا أصاب ذلك، وكانت له منعةٌ أو فئةٌ يلجأ إليها، أو لحق بدار الحرب فارتدَّ عن الإسلام، أو كان مقيمًا عليه، ثم جاء تائبًا مِن قبل أن يقدر عليه؛ قُبِلت توبته، ولم يتبع بشيء من أحداثه التي أصابها في حربه، إلا أن يوجد معه شيء قائم بعينه فيُرَدُّ إلى صاحبه[[أخرجه ابن جرير ٨/٤٠٠.]]. (ز)
٢٢٣٨٣- عن الوليد بن مسلم، قال: قلت لمالك [بن أنس]: أرأيت هذا المحارب الذي قد أخاف السبيلَ، وأصاب الدم والمال، فلحق بدار الحرب، أو تَمَنَّع في بلاد الإسلام، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدَر عليه؟ قال: تُقْبَل توبته. قال: قلت: فلا يتبع بشيء من أحداثه؟ قال: لا، إلا أن يوجد معه مال بعينه فيُرَدُّ إلى صاحبه، أو يطلبه وليُّ مَن قتل بدم في حربه يثبت ببينة أو اعتراف فيُقاد به، وأما الدماء التي أصابها ولم يطلبها أولياؤها فلا يتبعه الإمام بشيء.= (ز)
٢٢٣٨٤- قال علي: قال الوليد: فذكرت ذلك لأبي عمرو [الأوزاعي]، فقال: تُقبَل توبته إذا كان مُحارِبًا للعامة والأئمة، قد آذاهم بحربه، فشهر سلاحه، وأصاب الدماء والأموال، فكانت له مَنَعَة أو فِئَة يلجأ إليهم، أو لحق بدار الحرب فارتَدَّ عن الإسلام، أو كان مقيمًا عليه، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدَر عليه؛ قُبِلَت توبته، ولم يتبع بشيء منه[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٦.]]. (ز)
٢٢٣٨٥- عن الوليد بن مسلم، قال: قال أبو عمرو [الأوزاعي]: سمعت ابن شهاب الزهري يقول ذلك[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٧.]]. (ز)
٢٢٣٨٦- عن الوليد بن مسلم، قال: فذكرت قول أبي عمرو ومالك لليث بن سعد في هذه المسألة، فقال: إذا أعلن بالمحاربة للعامة والأئمة، وأصاب الدماء والأموال، فامتنع بمحاربته من الحكومة عليه، أو لحق بدار الحرب، ثم جاء تائبًا من قبل أن يُقْدَر عليه؛ قُبِلَت توبتُه، ولم يتبع بشيء من أحداثه في حربه من دم خاصة ولا عامة، وإن طلبه وليُّه[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٧.]]. (ز)
٢٢٣٨٧- عن الوليد بن مسلم، قال: قال الليث: وكذلك ثني موسى بن إسحاق المدني -وهو الآمر عندنا- أنّ عليًّا الأسدي حارب، وأخاف السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبته الأئمة والعامة، فامتنع ولم يُقدَر عليه، حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلًا يقرأ هذه الآية: ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر:٥٣] الآية، فوقف عليه، فقال: يا عبد الله، أعِد قراءتها، فأعادها عليه. فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا، حتى قدم المدينة من السَّحَر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله ﷺ، فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه، فلما أسفر عرفه الناس، وقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عَلَيَّ، جئتُ تائبًا من قبل أن تقدروا علي. فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بن الحكم في إمرته على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا عليٌّ جاء تائبًا، ولا سبيل لكم عليه، ولا قتل. قال: فترك من ذلك كله. قال: وخرج عليٌّ تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر، فلقوا الروم، فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم، فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهزموا منه إلى سفينتهم الأخرى، فمالت بهم وبه، فغرقوا جميعًا[[أخرجه ابن جرير ٨/٣٩٧.]]٢٠٧١. (ز)
٢٠٧١ على هذا القول فتوبة المحارب قبل القدرة عليه تضع عنه تبعات الدنيا التي لزمته في أيام حربه وحرابته، إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه.
ورجَّح ابنُ جرير (٨/٤٠١) هذا القول الذي قاله مالك، والزهري، والقرظي، وسعيد بن جبير، وعطاء من طريق بن معقل مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله الساعية في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام، فكذلك حكم كل ممتنع سعى في الأرض فسادًا، جماعة كانوا أو واحدًا، فأما المستخفي بسرقته، والمتلصص على وجه إغفال من سرقه، والشاهر السلاح في خلاء على بعض السابلة، وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع؛ فإنّ حكم الله عليه -تاب أو لم يتب- ماضٍ، وبحقوق من أخذ ماله أو أصاب وليه بدم أو خَتَل مأخوذ، وتوبته فيما بينه وبين الله، قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سِلْم ثم صار لهم حربًا أنّ حربه إياهم لن يضع عنه حقًّا لله -عزَّ ذكره- ولا لآدمي، فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده، ولا له فئة يلجأ إليها مانعة منه».
وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٣/١٥٨-١٥٩).
وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٥/١٩٨) مستندًا إلى ظاهر الآية، وعمل الصحابة، فقال: «وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة».
5:35Page 113
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥
O you who have believed, fear Allāh and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوۤا۟ إِلَیۡهِ ٱلۡوَسِیلَةَ﴾ - تفسير
٢٢٣٨٨- عن حذيفة بن اليمان -من طريق أبي وائل- أنّه سمع قارئًا يقرأ: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وابتغوا إليه الوسيلة﴾، قال: القُرْبة. ثم قال: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أنّ ابن أُمِّ عبدٍ مِن أقربهم إلى الله وسيلة[[أخرجه الحاكم ٢/٣١٢. وذكره في الدر إلى قوله: قال: القربة.]]. (٥/٢٩١) (ز)
٢٢٣٨٩- عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيج- في قوله: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾، قال: القُربة[[أخرجه ابن جرير ١٤/٦٣٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]. (٥/٢٩١)
٢٢٣٩٠- عن عبد الله بن عباس: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبِرني عن قوله ﷿: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾، قال: الوسيلة: الحاجة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عنترة العَبْسِيَّ وهو يقول:
إن الرجالَ لهم إليكِ وسيلةٌ إن يأخُذوكِ تكَحَّلِي وتخَضَّبِي[[أخرجه الطستي -كما في الإتقان ٢/٦٩-، وعزاه السيوطي إلى ابن الأنباري في الوقف والابتداء.]]. (٥/٢٩٢)
٢٢٣٩١- عن أبي وائل شقيق بن سلمة -من طريق منصور- قال: الوسيلة في الأعمال[[أخرجه ابن جرير ٨/٤٠٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (٥/٢٩٢)
٢٢٣٩٢- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾: القربة إلى الله[[أخرجه ابن جرير ٨/٤٠٤.]]. (ز)
٢٢٣٩٣- عن الحسن البصري -من طريق معمر- في قوله: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾، قال: القربة[[أخرجه عبد الرزاق ١/١٨٩، وابن جرير ٨/٤٠٤.]]. (ز)
٢٢٣٩٤- عن عطاء -من طريق طلحة- ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾، قال: القربة[[أخرجه ابن جرير ٨/٤٠٣.]]. (ز)
٢٢٣٩٥- عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾، قال: تقرَّبوا إلى الله بطاعته، والعمل بما يُرضيه[[أخرجه ابن جرير ٨/٤٠٤. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٢/٢٦-.]]. (٥/٢٩٢)
٢٢٣٩٦- عن عبد الله بن كثير -من طريق ابن جُرَيْج- قوله: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾، قال: القُرْبَة[[أخرجه ابن جرير ٨/٤٠٤.]]. (ز)
٢٢٣٩٧- عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾، قال: فهي المسألة، والقربة[[أخرجه ابن جرير ٨/٤٠٤.]]. (ز)
٢٢٣٩٨- قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ يعني: في طاعته بالعمل الصالح[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٤٧٣.]]. (ز)
٢٢٣٩٩- عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾، قال: المحبة، تَحَبَّبوا إلى الله. وقرأ: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾ [الإسراء:٥٧][[أخرجه ابن جرير ٨/٤٠٤.]]٢٠٧٢. (ز)
٢٠٧٢ علَّق ابنُ كثير (٥/٢٠٠) على الأقوال السابقة بقوله: «وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه». ثم قال: «والوسيلة: هي التي يُتَوَصَّل بها إلى تحصيل المقصود. والوسيلة أيضًا: عَلَم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ، وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش».
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوۤا۟ إِلَیۡهِ ٱلۡوَسِیلَةَ﴾ - آثار متعلقة بالآية
٢٢٤٠٠- عن علي بن الحسين الأزدي، قال: سمعتُ عليَّ بن أبي طالب يُنادي على منبر الكوفة: يا أيها الناس، إنّ في الجنة لؤلؤتين: إحداهما بيضاء، والأخرى صفراء، أما الصفراء فإنها إلى بُطْنان[[بُطْنان العرش: أي من وسَطه. وقيل من أصله. وقيل البُطْنان جمع بَطْن: وهو الغامض من الأرض، يريد مِن دواخِل العرش. النهاية (بطن).]] العرش، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها وأبوابها وأسِرَّتها، وكأنها مِن عرق واحد، واسمها الوسيلة، هي لمحمد ﷺ وأهل بيته، والصفراء فيها مثل ذلك، هي لإبراهيم ﵇ وأهل بيته[[أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٣/١٠٥-.]]٢٠٧٣. (ز)
٢٠٧٣ علَّق ابنُ كثير (٥/٢٠٤) على هذا الأثر بقوله: «وهذا أثر غريب».
﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِی سَبِیلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥﴾ - تفسير
٢٢٤٠١- قال مقاتل بن سليمان: ﴿وجاهِدُوا﴾ العدوَّ ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ يعني: في طاعته، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ يعني: لكي ﴿تُفْلِحُونَ﴾ يعني: تسعدون. ويُقال: تفوزون[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/٤٧٣.]]. (ز)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences